سيد محمد طنطاوي

82

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وخبر . وقوله : * ( تَخافُونَهُمْ ) * خبر ثان لأنتم ، وقوله : * ( كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) * صفة لمصدر محذوف ، أي : تخافونهم خيفة كائنة مثل خيفتكم من هو من نوعكم . والمعنى : ضرب اللَّه - تعالى - لكم - أيها الناس - مثلا منتزعا من أنفسكم التي هي أقرب شيء إليكم ، وبيان هذا المثل : أنكم لا ترضون أن يشارككم في أموالكم التي رزقناكم إياها ، عبيدكم وإماؤكم ، مع أنهم مثلكم في البشرية ، ونحن الذين خلقناهم كما خلقناكم ، بل إنكم لتخافون على أموالكم منهم ، أن يشاركوكم فيها ، كما تخافون عليها من الأحرار المشابهين لكم في الحرية وفي جواز التصرف في تلك الأموال . فإذا كان هذا شأنكم مع عبيدكم - الذين هم مثلكم في البشرية ، والذين لم تخلقوهم بل نحن الذين خلقناكم وخلقناهم - فكيف أجزتم لأنفسكم أن تشركوا مع اللَّه - تعالى - آلهة أخرى في العبادة ، مع أنه - سبحانه - هو الخالق لكم ولهم ، والرازق لكم ولهم ؟ ! ! . إن تصرفكم هذا ظاهر التناقض والبطلان ، لأنكم لم ترضوا أن يشارككم غيركم في أموالكم ، ورضيتم أن تشركوا مع اللَّه - تعالى - : غيره في العبادة ، مع أنه - سبحانه - هو الخالق والرازق لكل شيء . فالمقصود من الآية الكريمة ، إبطال الشرك بأبلغ أسلوب ، وأوضح بيان ، وأصدق حجة ، وأقوى دليل . ولذا ختمها - سبحانه - بقوله : * ( كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) * أي : مثل ذلك التفصيل الجلى الواضح ، نفصل الآيات الدالة على وحدانيتنا ، لقوم يعقلون هذه الأمثال ، وينتفعون بها في إخلاص العبادة للَّه الواحد القهار . قال الإمام القرطبي : قال بعض العلماء : هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين ، لافتقار بعضهم إلى بعض ، ونفيها عن اللَّه - سبحانه - وذلك أنه قال - سبحانه - : * ( ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) * فيجب أن يقولوا : ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا ، فيقال لهم : فكيف يتصور أن تنزهوا أنفسكم عن مشاركة عبيدكم ، وتجعلوا عبيدي شركائي في خلقي ، فهذا حكم فاسد ، وقلة نظر وعمى قلب ! ! فإذا أبطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة ، والخلق كلهم عبيد اللَّه - تعالى - فيبطل أن يكون شيء من العالم شريكا للَّه - تعالى - في شيء من أفعاله . ثم قال - رحمه اللَّه - : وهذه المسألة أفضل للطالب ، من حفظ ديوان كامل في الفقه ،